ابو القاسم عبد الكريم القشيري
209
لطائف الإشارات
شهد إحسانه فشكره . . كذلك من شهد النعمة شكر ، ومن شهد المنعم حمده « 1 » وذكر حديث السجن - دون البئر - لطول مدة السجن وقلة مدة البئر . وقيل لأن فيه تذكيرا بجرم الإخوة وكانوا يخجلون . وقيل لأن « السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » . وقيل لأنه كان في البئر مرفوقا به والمبتدئ يرفق به وفي السجن فقد ذلك الرّفق لقوة حاله ؛ فالضعيف مرفوق به والقوىّ مشدّد عليه في الحال ، وفي معناه أنشدوا : وأسررتنى حتى إذا ما سببتني * بقول يحل العصم سهل الأباطح تجافيت عنّي حين لا لي حيلة * وغادرت ما غادرت بين الجوانح وفي قوله : « وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ » إشارة إلى أنه كما سرّ برؤية أبويه سرّ بإخوته - وإن كانوا أهل الجفاء ، لأنّ الأخوّة سبقت الجفوة « 2 » . قوله : « مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر ، فقال كان الذي جرى منهم من نزغات الشيطان ، ثم لم يرض بهذا حتى قال : « بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » . يعنى إن وجد الشيطان سبيلا إليهم ، فقد وجد أيضا إلىّ حيث قال : « بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » . ثم نطق عن عين التوحيد فقال : « إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ » فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 101 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) من حرف تبعيض ؛ لأن الملك - بالكمال - للّه وحده . ويقال الملك الذي أشار إليه قسمان : ملكه في الظاهر من حيث الولاية ، وملك على نفسه حتى لم يعمل ما همّ به من الزّلّة .
--> ( 1 ) أي إن ( الحمد ) أعلى درجة من ( الشكر ) . . وهكذا تثرى البعوث الصوفية اللغة . ( 2 ) ربما يرمى القشيري من بعيد إلى أن يشير إلى أن الحق - سبحانه - يتفضل بكرمه على عباده - حتى ولو كانت منهم جفوة - لأنهم عباده أولا . . وإلى هذا يشير في موضع آخر من كتابه : « عبدي . . إن لم تكن لي . فأنا لك »